محمد بن جرير الطبري
472
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
حلالا والمباح محظورا ، والمحظور مباحا . ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي ، والحظر والإطلاق ، والمنع والإباحة . فأما الأخبار ، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ . * * * وأصل " النسخ " من " نسخ الكتاب " ، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها . فكذلك معنى " نسخ " الحكم إلى غيره ، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها . ( 1 ) فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية ، فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها ، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أَأُقر خطها فترك ، أو محي أثرها ، فعفِّي ونسي ، ( 2 ) إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة ، والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول ، والمنقول إليه فرض العباد ، هو الناسخ . يقال منه : " نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا ، و " النُّسخة " الاسم . وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول : 1745 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال ، حدثنا خالد بن الحارث قال ، حدثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) ، قال : إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ، ثم نسيه فلم يكن شيئا ، ( 3 ) ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه . * * * قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( ما ننسخ ) فقال بعضهم بما : -
--> ( 1 ) في المطبوعة : " عنه إلى غيره " ، وفي تفسير ابن كثير : " ونقل عبارة إلى غيرها " . والصواب ما أثبت . ( 2 ) في المطبوعة : " أوفر حظها فترك ، أو محي أثرها فعفي أو نسي " ، وهي جملة حشيت تصحيفا وخلطا . ومراد الطبري أن النسخ ، وهو تغير الحكم ، قد يكون مع إقرار الخط كما هو ، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى - أو رفع الخط ، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل . وقوله " عفي " ، من قولهم : عفا الأثر يعفو : درس وذهب . وعفاه يعفيه ( بالتشديد ) : طمسه وأذهبه . هذا والجملة التالية : " إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة " ، وحديث الحسن الآتي ، يدل على صواب ما أثبته في قراءة نص الطبري . ( 3 ) في المطبوعة : " قال أقرئ قرآنا " ، سقط منه ما أثبته ، وسيأتي على الصواب في الأثر برقم : 1754 ، ومنه زدت هذه الزيادة .